Friday, 19 December 2025

دليل عملي لتصنيف النقاد والتعامل مع التثبيط: كيف تفرز الغث من السمين؟

—————————–

العالم مليء بالأصوات؛ منها ما يدفعك للأمام، ومنها ما يسعى -بقصد أو بدون- لعرقلة مسيرتك. المشكلة لا تكمن دائماً في "ما يقال"، بل في كيفية استقبالنا له. نحن غالباً ما نستمع لكل الآراء بنفس الأذن ونمنحها نفس الوزن، وهذا هو الخطأ القاتل.
للحفاظ على توازنك النفسي، عليك تفعيل "مصفاة ذهنية" (Mental Filter) دقيقة. وظيفة هذه المصفاة هي فرز الكلام فور سماعه: هذا نقد بناء يذهب إلى "مختبر التحسين"، وهذا تثبيط يذهب فوراً إلى "سلة المهملات".
فيما يلي "دليل إرشادي" لتصنيف أنواع المثبطين، والبروتوكول الأمثل للتعامل مع كل نوع:
1. النوع الأول: "المدعي" (الجاهل بالمجال)
هذا الشخص يمتلك رأياً في كل شيء. ينتقد الرسم ولم يمسك ريشة، وينتقد الطهي ولم يدخل مطبخاً. مشكلته الأساسية هي الجهل المركب، وعلامته المميزة هي إطلاق الأحكام العامة والمبهمة مثل: "هذا العمل سيء"، "لا يعجبني"، "يفتقر للروح".
* الاستراتيجية: "التوريط بالتفاصيل".
لا تدافع عن نفسك ولا تغضب، لأنك بذلك تمنحه قيمة لا يستحقها. الحل مع هذا النوع هو إحراجه بالأسئلة التقنية الدقيقة، فالجهل يكره التفاصيل.
* مثال:
* المثبط: "هذا التصميم الذي أنجزته سيء جداً وغير مريح للعين".
* الرد الخاطئ: "لماذا؟ لقد بذلت فيه جهداً كبيراً وأنت لا تفهم في التصميم". (هنا دخلت معه في جدال خاسر).
* الرد الصحيح: (بهدوء وجدية) "حقاً؟ هذه ملاحظة تهمني. هل يمكنك أن تحدد لي بدقة أين يكمن الخلل التقني؟ هل المشكلة في تباين الألوان (Contrast) أم في التوازن الهندسي؟ أخبرني لأقوم بتعديله الآن".
* النتيجة: سيتلعثم غالباً ويلجأ للإجابات العامة. هنا تكون قد كشفت جهله أمام نفسه وأمام الآخرين بأدب، وسيتجنب انتقادك مستقبلاً خوفاً من الإحراج.
2. النوع الثاني: "المتسلق" (الباحث عن الجمهور)
هذا الشخص ينتظر التجمعات أو الاجتماعات ليلقي تعليقاً ساخراً أو نقدياً. هدفه ليس النصح، بل "لفت الانتباه" وإضحاك الحضور، أو إظهار نفسه بمظهر الذكي على حسابك.
* الاستراتيجية: "الجدار الصامت" (أو التجاهل التام).
هذا الشخص يتغذى على رد فعلك (غضبك، ارتباكك، أو دفاعك). إذا قطعت عنه هذا "الغذاء"، سيبحث عن ضحية أخرى.
* مثال:
* المثبط: (بصوت عالٍ في اجتماع) "يبدو أن فلان يعتبر نفسه فناناً عالمياً وهو بالكاد يتقن الأساسيات".
* الرد الخاطئ: الرد بإهانة مماثلة أو إظهار الضيق.
* الرد الصحيح: انظر إليه في عينيه مباشرة لمدة 3 ثوانٍ بنظرة خالية من أي تعبير (نظرة جامدة)، ثم أدر وجهك وواصل حديثك مع الشخص المجاور في موضوع آخر تماماً، وكأنه لم ينطق بكلمة.
* النتيجة: هذا الصمت يخلق "توتراً اجتماعياً" يرتد على الناقد، فيبدو بمظهر الشخص غير الناضج أو قليل الذوق، بينما تظهر أنت بمظهر الواثق المترفع.
3. النوع الثالث: "الأهل والأصدقاء" (المثبط العاطفي)
هؤلاء هم الأصعب، لأنهم يحبونك بصدق. الوالدان، الإخوة، أو الأصدقاء المقربون. يحاولون ثنيك عن طموحك بعبارات مثل: "الوظيفة أكثر أماناً"، "لا تخاطر بمالك"، "هذا المشروع أكبر من قدراتك". دافعهم هو "الخوف عليك" من الألم والفشل، وليس الحسد.
* الاستراتيجية: "الشطيرة العاطفية" (تطمين - حدود - تطمين).
لا تواجههم بقسوة فتخسر علاقتك بهم، ولا تخضع لهم فتخسر أحلامك. افصل بين "عاطفتهم" و"رأيهم الفني".
* مثال:
* المثبط (أخ أو صديق): "يا أخي اترك مجال التجارة والمخاطرة، وابحث عن وظيفة مستقرة".
* الرد الخاطئ: "أنتم تفكيركم قديم ولا تفهمون لغة العصر".
* الرد الصحيح: "أنا أقدر جداً خوفك علي وأعلم أنك تريد مصلحتي (تطمين)، لكنني درست هذا القرار جيداً وقررت خوض التجربة، وما أحتاجه منك هو الدعاء والدعم النفسي فقط، أما المخاطر الفنية فدعها لي (حدود). وأنا واثق أنني سأجدك بجانبي دائماً (تطمين)."
* النتيجة: تكسب رضاهم ودعمهم العاطفي، وتحيد تأثير رأيهم السلبي على قراراتك.
4. النوع الرابع: "الخبير الفظ" (الناقد القاسي)
هذا شخص ضليع في مجاله ومتمكن جداً، لكنه يفتقر للذكاء العاطفي وأسلوبه جارح. عندما ينتقدك، قد يشعرك بأنك لا تساوي شيئاً، لكن معلوماته "التقنية" صحيحة.
* الاستراتيجية: "التنقيب عن الذهب".
هذا هو النوع الوحيد الذي يمكنك الاستفادة منه إذا تمكنت من تحييد مشاعرك. اعتبره كالدواء المر؛ طعمه سيء لكنه يعالج.
* مثال:
* المثبط (مدير أو أستاذ): "ما هذه القمامة التي كتبتها؟ هل تسمي هذه أرقاماً؟".
* الرد الصحيح: تجاوز كلمة "قمامة" تماماً، وركز على الجوهر. قل له: "حسناً، بغض النظر عن الوصف، أين يكمن الخطأ في الأرقام تحديداً؟ هل هي الحسابات أم طريقة العرض؟".

* النتيجة: أنت حصلت على المعلومة لتطوير نفسك، وأجبرته على احترام مهنيتك وبرود أعصابك. 


من المواضيع الشاغلة بالي مؤخرا شديد فكرة التثبيط والنقد البناء والتفريق بينهما. حاكتب بحث جادي ان شاء الله لكن أسي بس داير أشارك أفكار عامة - جزء منها من نقاشات مع أصحابي وتحليل لتفاعلات خارجية:

- الانتقاد المستمر بدون تقديم حلول أو مجهودات داعمة - غالبا هو تثبيط.
- الحاجة دي بتعتمد على علاقتك بالشخص وبرضو مجهوده معاك في باقي النشاطات. يعني لو انت بتحب ترسم وبتحب تلعب كورة مثلا - وفي زول بنتقد رسمك لكن بمتدح لعب الكورة وبوريك كيف تطوره في احتمالية انو رسمك فعلك شين وتعليقه حقيقي.
- برضو واحدة من المقاييس الحاجات الهو بعرفها كويس وانت بتحاول تعملها- هل ببادر يوريك تعملها كيف؟ عدم المبادرة يمكن اخذه كاشارة سالبة في تصنيف تعليقاته السالبة على نشاطاتك الأخرى. يعني لو في زول معلم في الطباخة مثلا وانت بتحب الطباخة وبتحب ترسم وطباختك كعبة ورسمك شين - والزول دا بنبز رسمك بس لكن ما بجيب سيرة الطباخة او بنبز الاتنين لكن ما بحاول يوريك تطبخ كيف فدي اشارة سالبة.
- مقدار استثماره الشخصي في النشاط الانت بتمارسه لانو الزول الشاطر في مجاله عينه بتشوف العيوب سريع. يعني انت بتمارس كورة القدم وهو لاعب دولي متقاعد غالبا بكون شايفك شافع ساي وآخره بس يشجعك تشجيع الأطفال في احسن الأحوال لكن انتقاداته ممكن تكون حقيقية لانو بحب الكورة أكتر منك - ودي ما حاجة تزعل يعني - لكن لو العكس هو ما بعرف في الكورة كوعه من بوعه ولسة بنتقد فدي اشارة سالبة انو هو قاصد فكرة الانتقاد نفسها.
- استجابته لضيقك لانو هدف النقد البناء هو تحسين قدرتك على فعل النشاط المعين - فلو الزول انتقدك مرة وانت أظهرت تذمرك وما أبدى استجابة وواصل في انتقاداته دا مؤشر سالب برضو انو ما هدفه النصيحة وانما التثبيط.
- التثبيط ما بالضرورة يكون واعي لكنه مؤذي في كل الأحوال وممكن يؤثر على بناء علاقتك مع نشاط بتحبه فما تجامل فيهو. عدم الوعي بيهو ما مبرر لكن لو الزول اعترف بخطأه وبدا خطوات عملية لإصلاحه دي بداية كويسة. بس هو قرارك في النهاية تسمع شنو وما تسمع شنو.
- لو نسبة انتقاداته ليك أمام الناس أعلى من نسبة انتقاده ليك وانتو براكم دا مؤشر سالب برضو فالنصيحة أمام الناس فضيحة.
هدفي من الحتة دي انو اطلع برقم عديل بحيث تجي تقول للزول اسمع انت الاندكس حق التثبيط حقك ٣٠٪ يلا اقطع وشك.

Thursday, 4 September 2025

عن عظمة وردي

واحدة من علامات عظمة وردي - رحمه الله - انو أوصل الموسيقى السودانية لحتة أبعد من آخر نقطة لقاها - لكن ما وقف بعد داك - بس واصل يدفر لقدام إلى أن أخذ الله أمانته. دي هنا الحتة البظهر فيها الموسيقِي الحقيقي - لانو لو وردي كان هدفه ينال خلينا نقول لقب "أفضل فنان" أو أي غاية يمكن بلوغها عن طريق الفن - فقد كان بإمكانه نيل ذلك بمجهود أقل بكثير مما فعل.
 عشان نفهم النقطة دي اتخيل معاي المثال التالي:
اتخيل انو انت قاعد في منجم دهب - وبهناك ناسك راجنك تجيب ليهم الدهب. ناس وردي طبعا ممكن نقول في الحالة دي هم جمهوره في السودان والجيران الحوله - لو رفعت ليهم عدد واحد كيلو دهب أو اتنين  ما ح يعرفوا انو دا كتير ولا حبة - لانهم ما شايفين المنجم الانت بتشيل منه - ولا شايفين انت بتتعب قدر شنو عشان تحفر. لكن في نفس الوقت مافي زول في عمال المناجم الأخرى (بلا إنتقاص من إجتهادهم) قادر يجيب اكتر من ربع كيلو. اتخيل إنو بعد دا الزول يقوم يومي يحفر ويحفر لمن يتعب عشان يزيد الكمية. أنا طبعا ما شفت وردي وهو بيحفر لكن الأثر يدل على المسير - فيمكنك معرفة مجهودات الرجل بسهولة من خلال تتبع جودة أعماله وتنوعها وكثرتها. هنا تكمن المقارنة العملها عبدالله جعفر. صحيح ما بنقدر نقارن فنان وروائي مثلا زي ما أشار أحد المعلقين للطيب صالح في البوست (١). لكن بنقدر نجاوب سؤال معين عند الاتنين. انو الروائي دا لو كان بكتب ٨ ساعات في اليوم مثلا يوميا هل كان ح يعمل نفس الأثر. أو كم شخص قرا أعماله واتأثر بيها.  طبعا الموضوع معقد والساعات ليست مقياسا خطيا بسيطا لكن الفكرة لا تزال موجودة - حاحاول ابسطها أكتر:
زي تقارن ليونيل ميسي مثلا بشاكيرا. مقارنة غريبة مش؟ هي بتكون غريبة لو قلت الألعب منو؟ دا سؤال مقارنة غبي. لكن لو قلت: منو مثلا بحضروا عروضه ناس أكتر؟ هنا بقى علينا نعرف عرض يعني شنو وهو تعريف ممكن نتفق عليه: في حالة ميسي العرض هو مباراة في الدوري الرسمي - وفي حالة شاكيرا هو حفلة في مكان ما. بعد داك السؤال ببقى ساهل وشغل حسابات. للمرة التانية الموضوع معقد وبمثل مدخل ساهل للنقاش البيزنطي لكن نحن بنعمل المقارنات دي بصورة يومية والناس بتتعرض للإختبارات دي في حياتهم بصور مختلفة وبتجاوب. عادي تكون مسافر مثلا وكان عليك الإختيار تشيل شريط لوردي ولا كتاب للطيب صالح لانو المساحة محدودة مثلا. المهم أنا ما راغب في الذهاب بعيدا في فكرة الأمثلة وإيجاد مقياس للمقارنة - (توحيد المقامات زي ما قال عبدالله) - لكن عبدالله كان بحاول يطرح السؤال دا - لو أنا فاهمه صح - على صعيد كل التخصصات ويقول وردي هو ملكهم كلهم. طبعا أنا شخصيا بشوف أصلا انو الموسيقى دي أعقد شي حيث انو السماء هي حد أفكارك حرفيا - لكن على المستوى الشخصي لو جيت اسأل سؤال عبدالله ما حاتعب شديد: بس حامشي اشوف اكتر موسيقي منتج وحاقول دا ذروة سنام البلد. في مصر بالنسبة لي بليغ حمدي مثلا. بس على على العموم أنا منفتح للنقاش في أي مجال تاني لو الزول قادر يحدد أبعاده. طبعا أبعاد الموسيقى لا نهائية وفي نفس الوقت قدرتها على حمل المعاني المعقدة في وعاء صغير يستطيع الناس بمختلف قدراتهم العقلية فهمه لا تقارن. الموسيقى هي لغة تفكير البسطاء. حيث أن السماع فيها يكاد يكون مجانيا ولا يحتاج لأي قدر من التعلم على عكس مجالات أخرى كالرواية مثلا حيث يقوم القارئ فيها بمجهود مقدر ليفهم مقصد الكاتب. يعني باختصار كدا وردي دا بجيبها ليك مملحة ممكن تسمعها في المواصلات وتكون ما قريت مدرسة زاتو ويفهمك حاجة معقدة جدا لكن عشان تفهم عمق موسم الهجرة إلى الشمال في مقدار معين من التعليم النظامي لازم تكون اتحصلت عليه.
 اتخيل وردي ربنا يرحمه لحدي ما مات وهو شيخ في سبيعيناته لسة كانت عنده أفكار لتطوير الأغنية السودانية كما يذكر دكتور حسن الجزولي في كتابه "عصر وردي  المموسق - مشروع توثيقي لأوراق عمره”. اتخيل في حوار مع وردي في ٢٠٠٧ وهو مريض مهموم بغسيل الكلى في آخر أيامه -  سأله الصحفي: ما هو جديدك فأجاب:
“أعمل الآن في قصيدة “واحة الحسن” للجيلي عبدالمنعم - السؤال الذي يليه مباشرة كان عن صحته وأشار لانو حركة يده اليمنى بقت تقيلة من أثر الغسيل. لك أن تتخيل الآن - رجل متربع على عرش السودان بكل ما تعني الكلمة من معنى ولسة في لحظات زي دي مهموم بإنتاج شي جديد.

مراجعة بعد تعليق أنس الأخير
في جانب تاني هو تأثير المبدعين على بعضهم - بفقد المقارنة واحد من جوانب قوتها حارجع ليهو لاحقا 
ـــ
المراجع
شكرا Abdalla Gafar على البوست العمل التذكرة وعلى أعمالك في أرشفة الفن السوداني والتنظير ليهو سواء المنشورة في فيسبوك أو في المدونة أو تسجيلات الإذاعة في اليوتيوب. والشكر دوما لأخي Anas Ali اللي ليهو الفضل في أي مفهوم موسيقي جديد يقع لي بصورة عميقة وفي فهم الموسيقى السودانية بصورة أحسن . أغلب الأفكار الهنا جاية من نقاشات مشتركة في قصة طويلة عن الفن السوداني.

Saturday, 26 July 2025

زياد الرحباني

 يوم حزين على البشرية. توفى إلى رحمة مولاه اليوم الموسيقار زياد الرحباني بعد ٦٩ سنة حافلة بالعطاء اللا محدود.

لو أمك اسمها فيروز وأبوك اسمه عاصي الرحباني صعب جدا يكون عندك بصمة لانو اي شي تقدمه غالبا يقع في ظلهم - لكن رغما عن كدا - زياد اتفوق على نفسه وصنع مجده الخاص. زياد أضاف لفيروز الكثير من أيام مراهقته. اتخيل الراحل دا لحن أغنية "سألوني الناس" وهو عمره ١٧ سنة. عمر أغلب الناس ما بكون عارفين فيهو كوعهم من بوعهم.
لكن هل اتوقف في محطة التلحين؟
زياد أيضا شاعر وكمان كتب الكثير من المسرحيات والموسيقى التصويرية وصحفي وسياسي ومفكر. زياد عبارة عن جوكر بتاع أي شي لكن متميز فيهم كلهم.حاجة عجيبة ياخ. كان رجل أمة بحق. لمثل زياد فلتبكي البواكي.
حتى في الغناء يمكننا اعتباره مغني متوسط المستوى بسبب انو لم يطلق العنان لصوته الجهور الجميل المعبر - وحري بمن كانت أمه فيروز ألا يتصدر لمهنة لا تكون معاييره فيها هي القمة ولا شيء دونها. شكله مسك المجالات الابداعية دي كلها وقال والله ياخي دي ودي ودي ممكن اضربها لكن الحاجة (الوالدة) دي عصرت علينا في موضوع الغنا دا شوية فشنو مافي طريقة منافسة والله.
لمن تسمع زياد بتكلم بتتخيل انو زول مفتري وقليل أدب لكن لمن تمشي تشوفه عمل شنو تقول الزول دا ماشي معانا كدا على الأرض كيف أصلا. من الحاجات الظريفة انو مرة اتشاكل مع أمه - فخلاها سنة ما عمل ليها أي ألحان. بعد داك رجع ليها عشان يعمل ليها البوم جديد فالمذيع سأله لييه رجعت فقال بطريقته الساخرة: لانها طلعت ألبوم ما بشبه تاريخها ههههه. او بطريقة تانية انو أنا مهما زعلت من فيروز ما ممكن أخلي متوسطي المواهب ديل يكتبوا ليها. راجل نكتة ياخ.
تغمدك الله في أعلى الجنان. ستظل حيا في أرواح كل محبيك عبر العالم.

Wednesday, 25 June 2025

الأستاذة عشة الجبل

 واحدة من الحاجات الشدتني قبل فترة طريقة تفاعل الناس مع ركوب عشة الجبل للباترول، واعتراض الكثيرين وحكاياتهم السمجة انهم ضيعوا وقتهم في القراية في حين انو الزول ممكن يركب باترول بسهولة لو فات وعمل ليو اورقن وحام بيهو، طبعا نسوا يقولوا "وكان اسمه عشة الجبل" هههه. 

فمشيت يوتيوب اتعرف على الإنسانة دي، لاقتني كمية من الفيديوهات مشاهداتها بالملايين. وهو رقم كبير على مستوى الفنانين السودانيين، بلقاه شائع في الفنانين العرب وهو دون المستوى عند الفنانين الغربيين. المهم واضح انو الزولة دي الناس بحبوها مبدئيا كدا قبل أي شي. والفنان الناس بحبوه لو كان بعبر عنهم، فبالتالي اي زول ما قادر يفهم الحاصل يا إما يمشي يفتش السبب، او هو ببساطة بس ما معترف بالطبقة البتحب عشة دي. ولمن اقول الطبقة ما بقصد بالضرورة بعد واحد، بعد مركب جزء منه جهوي وجزء طبقي وجزء قبلي. لكن واضح انو في نمط لمحبي عشة الجبل او محبي الزنق عموما، والإعتراض عليها هو في حقيقته انو كيف أصلا إنسان ينتمي لهذه الفئة يتحصل على أموال كافية لشراء عربة لا أستطيع انا (ومن ثم يدخل وظيفته اللهو فيها دون المتوسط غالباً) بجلالة قدري شراء زجاج أبوابها ههههه. 

طبعا يا لسخرية القدر، الموسيقى بالتعريف هي من أصعب المهن على الإطلاق عكس الكثير من المهن اللي مهما كان مستواك فيها تعبان بتقدر تعيش عليها. والزول البعبر فيها مش بس محتاج يكون متميز،التميز في الموسيقى شرط ضروري لكنه غير كافي، الموسيقي العابر في السوق مفروض ما يكون عنده أي غلط كبير أو واضح، وبغلط قصدي العوامل المصاحبة نفسها مش أداءه بس، لأنه سوق الموسيقي بالتعريف هو التنافس على أسماع البشر والذين لا يتعدى عددهم ال ٨ مليار نسمة أغلبهم ما متاح ليهم الوقت ولا راحة الذهن المطلوبة للاستمتاع بالفنون أصلا للأسف الشديد. فلمن زول يقدر يجذب إهتمام عدد كبير زي دا زي الأستاذة عشة الجبل فبتستحق كل الإحترام والتقدير. نعم الأستاذة عشة الجبل بكل ما تحمل الكلمة من معنى. هي أستاذه تهذب وجدان الكثير من المنسيين الذي لم يهتم بهم أحد ولم يسمع أحلامهم، آمالهم ولا طموحاتهم. قامت عشة هبشت فيهم وتر ما فردوا عليها التحية بالبسيط الذي تجمع وتجمع فانتج الباترول. بعدين ياخي اتخيل العظمة، يعني في أجمل من انو عربيتك الراكبة تكون شير من ملايين الناس كل زول فيهم دفع ميلغ بسيط بعبر فيهو عن شكره ليك لكلماتك الجميلة المغناة. مافي سيارة أجمل من كدا والله أكاد أجزم. 

Monday, 23 June 2025

رسالة الأمل المشروط بعذابات المستقبل

 هي أيام صعبة، مؤلمة، محطمة، يتساقط فيها الجميع، لا يقوى أغلبنا على المقاومة والتماسك، نحتاج قدر من العزيمة لا تقوى عليه الجبال. والمؤلم أننا لا ندري ان كانت آلامنا هذه كآلام المخاض قبل الحدث السعيد، أم هي آلام الإحتضار قبل الموت الأبدي. 

أنا لا ادري ماذا سيحدث، ولا أصدق من يقول أنه يدري، ولن اكذب واقول عيش اللحظة فلست قادرا على ذلك حتى، ولكن فقط اقول حاولوا، سددوا وقاربوا، ستفشلون بكل تأكيد في البداية، ثم تفشل وتفشل وتفشل، ستفشل حتى يكرهك الفشل ويمل من إصرارك وعنادك، سيريك الفشل جميع تمظهراته، سيأتيك من كل الجوانب من حيث تدري لا تدري. بعدها ربما يفتح الله عليك إذا كنت لا زلت هنا على هذا الجانب من الحياة. هناك خيارا آخرا أن يحدث الفتح على اكتافك، لكن بعد مغادرتك لهذا المكان فلا ترى غرس زرعك بأعينك. 

أمثال هذه الأيام هي ما يظهر معدن الناس على حقيقتهم عرايا بلا ثياب، حيث لا مجال للهروب ولا للتظاهر باللامبالاة، ربما هي فعلاً أوقات الإختبارات التي لا مجال فيها للحياد، والحياد هنا بمعنى الإنكفاء على الذات واللا مقاومة. لا خيارات لدينا، لا سبيل، يمكننا ان نعمل وهناك احتمالية للمكسب، ويمكننا الجنوح للنوم والأكل (ان كان متوفرا) والشرب كما تفعل الأنعام مع ضمان الهزيمة.

لا مكان للأنانية الظاهرة منها والمتخفية، هي سفينة واحدة في بحر متلاطم، إما أن ننجو معا أو نهزم معا. لا خيارات على الإطلاق، لا مكان للمغانم الشخصية ولا للعب الأطفال. هذا هو قدرنا على أي حال، إما أن نتحمل ونتجلد ونقاوم، وإما أن يذهب بنا الطوفان. 

لا مكان للنقاشات اللغوية الما بتودي ولا بتجيب، دي نعملها في برشلونة وريال مدريد، لكن حياتنا على المحك، إما أن نتحدث من القلب للقلب أو لا نتحدث، إما ان نحترم حدود بعضنا البعض، أو لا نتعامل على الإطلاق، ربما تكون هذه لحظاتنا الأخيرة على هذا الكوكب، ربما يكون هذا أفضل ما فعلناه لا ادري.

هناك جزءا مني لا زال متمسكا بالأمل، نعم هو أمل مهزوز غير مكتمل اعترف، ولكنه كافي على الأقل للاستيقاظ كل صباح، ومحاولة القيام بخطوة صغيرة قد تحافظ على هذه الشعلة المسماة بالروح أو تكسبها بعض الوقت. روح الأمل، والأمل يتضاعف بالحب والتكاتف والتفهم، بدون هذا لا فائدة، لا أريد أن ينتهي بنا الوضع ان نردد خلف مصطفى أغاني الكآبة بينما نذهب في سراب الذكريات. 


لا بأس من البكاء والعويل على فترات متقطعة ومن ثم إلتقاط الأنفاس سريعاً للمواصلة، لكن ربما لا وقت حتى لذلك. كنت أتمنى لو كان بمقداري كتابة رسالة سعيدة وانا اعتدت ان اعيش على الأمل، على التفاؤل، على المستقبل. 

لم انظر يوما للواقع على أنه وضع حالي جميل لا بأس به، دوما افكر فيما يمكن فعله وكيف يمكننا تحسين حيواتنا. هناك استثناءات قليلة تحدث من حين لآخر تعيش فيها بالحاضر كما يجب أن يكون، عندما اكون في الطبيعة الفسيحة بين الأشجار، الأشجار تهب عليك نسائمها بلا رغبة ولا طلب، فقط تمنحك الحب والظل ولا تأبه بك ان جلست أم ذهبت. هناك أرواح قيض الله لها نفس هذه القدرة والرؤية، اعتبر نفسي من المحظوظين أن حباني الله بالكثير منهم. ربما بعضهم يقرأ كلماتي هذه الآن، أنا أحبكم كما تحب الأشجار بذورها وأصولها، حبا متجاوزا للرغبة والحاجة، فقط ارغب برؤيتكم سعداء واتمنى لو كنت قادرا على بيع الأمل اليقيني، ولكن على كل حال الأمل المهزوز بعواصف الشكوك هو أفضل من اليأس بلا شك. فاليأس موت مبكر.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم

Tuesday, 17 June 2025

الموقف من الإمام

الموقف من الامام من المؤشرات الممكن تقيس بيها وعي المثقفين لانو جامع كمية من المتناقضات الصعب تتلم في زول واحد:

انو عنده ارث جاهز كبير شديد، ودي بتسهل عليه استغلال الارث دا بدون اي مجهود منه، وهي حاجة فعلاً عملوها آل المهدي الحايمين ساي بدون ذكر أسماء يعني، فدي بتسهل اي زول داير ينتقد بسهولة انو بس يقول ليك الصادق دا عشان ود المهدي، زي قلة الأدب البعملوها لعبدالله جعفر لانو أول السودان. وطبعا الناس دايرين الصادق يجي ينكر ليهم ابوه ولا كيف ما تعرف، التواضع الما عنده معنى داك. يعني ح يتبسطوا لمن عبدالله يجي ينتقد ليهم امتحان الشهادة عشان يحوموا بعد داك ويقولوا ياخي دا اول الشهادة ما معترف بيها ما تقدونا بالموضوع دا، وحقيقة انا مبسوط انو عبدالله اصلو ما حقق ليهم الهدف دا، اول كدا في راس اي زول هههههه. 

النقطة التانية انو الصادق مقطع شغل المثقفين دا، وممكن يقعد يتكلم خمسة أيام متواصلة عن أي موضوع لحدي ما غلبهم ينبزوه بشنو قالوا عليه أبوكلام هههه. طبعا الزول الفهمه حبة ما بعرف يتكلم وبقعد يكرر ليهو تلاتة عبارات في اي محفل وخلاص ولا يكرر بعض النكات البايخة ولا يمشي يكتب ليهو خطاب مليان عربي وكلمات غريبة وشاعرية فارغة من المعنى. على فكرة مافي مشكلة يكون فهمك حبة يعني لكن المشكلة يكون فهمك حبة وحايم في المنابر بتعمل فيها بتقدم في شي وتكون انت شاغل مساحة مفروض يملوها الناس البشتغلوا بالجد. الواحد داير يبقى صانع محتوى بدون محتوى. يعني يجوا لحتة 

برضو الصادق دا ما بقدروا يفتروا عليه بحركات الانجليزي والمصطلحات الرنانة البدخلوها ساي بدون مناسبة ديك. دايرين فلسفة ارح، دايرين هندسة قدام، دايرين شغل واجتهاد ديك كتبي وداك شغلي والحشاش يملا شبكته. ياخي الكتب الكاتبها الإمام دي والله اجزم انها اكتر من الكتب القروها نص الناس الحايمين ينبزوا فيهو ديل ههههه. يعني حيرة عجيبة اللانقا بهن يقطعها ليهم، يجوا بجاي مع الناس الشايفنهم اهالي وغوغاء ساي يلقوه متزعمهم، ومش الزعامة بتاعة السواقة الهم عايزنها زول جاي يفهم الناس عديل بالدرب. بتذكر وانا طالب ايام المدرسة ساقني اخوي ندوة في الابيض، كان كل ما يعتلي المنصة الانصار يقعدوا يعملوا حركاتهم بتاعة التقديس ديك فبسكت حبة ويواصل، بعدين فاض بيهو فقال لينا فيما معناه "أنا جئت لانقل لكم فكرا ورأيا فبالله عطلوا افواهكم وايديكم، وادوني رسينكم واضنينكم الكبار ديل هههه" الكبار ديل من عندي طبعا.

انا حضرت ليهو حلقات شاهد على العصر ياخي الراجل دا بقعد المفاهيم كما يجب ان تكون. كلام بتاع انسان حامل شعلة وعي ومهتم بمن يتزعمه مش مجرد واحد عنده ايقو وداير يطلع فوق على رؤوس الناس ساي. زول احلامه قدر العالم واكبر. انا قريت ليهو كتاب واحد بس (نهر النيل، الوعد والوعيد) وشفته كيف قادر يركب النظارات المختلفة بمهارة فائقة، مرة يبقى فليسوف يتكلم ليك عن الماء كمفهوم وعلاقته بالحياة وعن فكرة التنبوء بالمستقبل وغيرها، بعد داك يقلب سياسي ويتكلم ليك عن اقتراح حلول التنسيق بين الشركاء وكيف ممكن يستفيدوا من بعض وكيف ممكن يعملوا مشاريع بتضيف للجميع ويبهرك بدراسة العوامل الما ممكن تخطر ببالك زاتو، كانت بتجيني لحظات كدا بقول اسي دي فكر فيها كيف زاتو، بعدين يجي ينزل للجانب القانوني ويتكلم ليك عن التشريعات وتاريخها واثرها وكمان توقعه لما سيحدث (واللهو بعض منه حصل لانو الكتاب اسي الريدي بقى تاريخ). 

المبهر بالنسبة لي كمان لمن نزل تحت للهندسة، دا شنو يا سيادة الإمام ما تخش لينا في شغلنا كمان ههههه. اتكلم عن مشاريع حصاد المياه والمحاصيل البتتزرع وكيف ممكن نعمل optimization للعمليات بحيث نوفر موية بدون ما نتضرر، شنو الممكن تعمله مصر وشنو الممكن يعمله السودان وشنو الممكن يعملوه الاتنين سوا وهكذا، يعني شغل بتاع هيئة أبحاث عديل. الصادق واضح جدا انو انسان مؤمن تماما بفكرة واحد زايد واحد اكتر من اتنين، انو التعاون دائما احسن من التنافس واننا لدرجة كبيرة بنتوهم انو معاركنا صفرية مع انها ما كدا في حقيقة الأمر ونحن ناس طموحاتنا حبة بس. على قول مصطفى سيد أحمد الناس بتتعامل زي الزول في سوق الخدار اي واحد بس شايف التانيين عايزين يشيلوا كومه، غباء يحير زاتو.

طبعا في الجزء بتاع الغيرة والروح الشريرة، لانو الصادق دا عامل زي البت السمحة وشاطرة ومهذبة ومحظوظة ومجتهدة، ما عندهم اي طريقة ينتقدوها فبقعدوا يقولوا ليك كلام فارغ كدا عشان يقللوا منها، يقولوا ليك نانسي عجاج ما تعرف صوتها بضرسني ههههه. فمع الصادق تلقاهم حايمين بوخة مرقة وما تعرف شنو، يلفحوا ليك عبارتين عميقات قالهم في موقف عابر يا اما ما استشفوا عمقهم يا اما بسوء الغرض ساقوهم وحاموا بيهم. طبعا انا ما قاعد اقدسه يعني ولا بقول انو اي كلام يطلع من لسانه جاي من حكمة بطبيعة الحال، لكن في امثلة كتيرة للحاجات الكانت بتطلع عاملة كدا، الكلام بكون واضح وسياقه واضح لكن بس الله غالب الما بتلحقه جدعه.

الحركات الزي دي ياها بتضيع علينا السماع لحكمة الحكماء البجونا كل فترة، وديل ناس ما بتكرروا وهو من فضل الله علينا انهم موجودين بيننا، فبدل ما الناس تقل ادبها مفروض تقدر العندها وتستفيد منه. اسي الصادق اتوفى ربنا يرحمه ويرفعه في اعلى الجنان، لكن ديك ياها كتبه ومقالاته حايمة الناس تمشي تبحت وتتدارس وتستفيد. 

Friday, 13 June 2025

كان جيت ولقيتها

 الأمهات السودانيات مشهورات بعبارة "لو جيت ولقيتها" لمن يفشلوا إنهم يوصفوا ليك مكان الحاجة البطالبوك تجيبها ليهم، وهي طبعًا تعبير عن القنع منك، مع إنك أقدر منها فيها. فهي غالبًا زولة كبيرة، حركتها صعبة، وعندها مية حاجة تانية، وانت شافع عبارة عن طاقة رايحة ساي، لكن ما بتسمع الكلام.

المفارقة دي جميلة في فكرة بذل المجهود في التعاون بين أي طرفين، لمن يكون في طرف عيونو أقوى من يدينو، والتاني يدينو أسرع من عيونو. الزول الشواف عليه مجهود إيضاح الأشياء، بحيث اليد السريعة تقدر تصل بدون تعب، والطرف التاني عليه عبء الاستماع ومحاولة الاستيضاح ما أمكن. النوع دا من العلاقات يبدو إنو بتحصل فيهو مشاكل كتيرة من الطرفين، بتتمظهر بعبارات زي الفوق دي، لكن أنواع المشاكل كتيرة.

واحدة منهم عدم الصراحة. خلينا نسمي الطرفين هنا الشافع والأم. مثلًا، الشافع ممكن يكون شايف أمه دي بتخرف ساي، وهي ما عارفة محل عدّتها وين. وطبعًا في أمهات فعلاً غالبًا عاملات كدا، وبتقول ليهو بس نقطة بداية على أساس هو يفتش براهو بعد داك. المشكلة جاية من إنو الشافع ما اتعلم ينتقد أمه بصراحة، لأنو "كدا عيب"، فحيقعد يعبّر عن انتقاده دا بأسلوب تاني.

عموماً الإنسان غالبًا لو ما قدر يقول كلامه عديل، اللاوعي بتاعه بتصرف من أبسط شي، زي إنو يقعد يمد بوزه اليوم كله، لحدي ما يمشي يعمل الحاجة ويخربها. أحيانًا ممكن يتصرف بصورة واعية لو كان ذكي كفاية، مثلًا ممكن يقعد يقول ليها: أصلًا الصحن هو ما أبيض، أو انتِ قصدك تلاتة صحون ليه قلتِ اتنين؟ أو الصحن قاعد عديل ولا بالقلبة؟ المهم أي كلام فارغ ينفع يشغل المكان بتاع "أمي انتِ بتخرفي ساي" هههه.

الخواجات عندهم أحناك كدا اسمها التربية الإيجابية وبتاع، أنا ما فاهمها كويس، لكن طريقة حواراتهم مع شفعهم واضحة إنها مختلفة، وفيها مساحات حوار بخلوا الشافع يعبر عن نفسه وما يضطر يلف ويدور.

مثال للمشاكل في جانب الأم، إنها مرات ما بتحوّل نظرتها إلى لغة مقبولة للشافع، حتى لمن يكون ود فالح وبسمع الكلام هههه. أنا طبعًا هنا مفترض إنو الأم عارفة الصحن قاعد وين، ومشكلتها بس هي عملية التحرك دي. فالطفل، حتى لو بسمع بكامل حواسه، ما بكون وصل لحتة يفهم يسأل عن شنو ذاتو.

المشكلة دي بتكبر في الأمثلة المعقدة، لأنو غالبًا بكون في مجهود مشترك مفروض يتعمل. الأم بتكون عارفة إنو الصحن دا قاعد في مكان ما في المطبخ، وتحديد المكان بالضبط بحتاج الزول يمشي هناك ويتخذ إجراءات معينة. غالبًا الإجراءات دي حتاخد منها مجهود كبير جدًا، وعندها مهام تانية مهمة للأسرة ككل، ما في زول غيرها بيقدر يعملها، فالمفترض الشافع يمشي ويعمل الجزء الأخير.

هنا الشافع ممكن، بدافع الكسل، يقعد يطيل الحوار أو يحاول يقنع أمه (من القنع ما الإقناع) عشان يوصلها لمرحلة "لو جيت ولقيتها"، وبالتالي يقدر يواصل لعبته ويا دار ما دخلك شر. الأمر دا طبعًا حينتهي بالأم إنها تعمل أي شي براها، بجودة غالبًا أقل من التعاون، لأنو المجهود البتحتاجه لتزبيط الملاح ح تقعد تقضيه حوامة تجيب بيها الصحون.

لدرجة كبيرة نحن بندلع الشفع، ما بنخليهم يتعلموا بذل النوع دا من المجهود، اللهو حركة يلقى أي شي جاهز، وبنفتكر إنو دا لمصلحتهم، لكن البحصل إنهم بس ح يبقوا أقل اعتمادية على نفسهم، وحيفقدوا مهارات حياتية في جوانب ما ممكن تخطر على بالنا أصلًا.

نفس النمط البسيط دا ح ينتقل لمستويات أعقد، نفس الطفل المنتظر أمه تقنع وتقوم بالمهمة، ح يمشي ينتظر زول تاني يقوم ليهو بمهمة مؤثرة على حياته بصورة أكبر، وداك ما عنده نفس العطف والحنان، لأنو ما هو الجابه للحياة. فحيقول ليهو: "ح أقوم وألقاه، لكن انت امشي شوف ليك قبلة صلي عليها".

فأحيانًا، ربما يجب عليكم القسوة عليهم قليلًا حتى لا تقسو عليهم الحياة. أو سوف تندمون حيث لا ينفع الندم.